اليوميات٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
أمنا مريومة… حين يصبح السؤال عن امرأة سؤالاً عن وطن كامل
بقلم دار السلام وداعة
اليوميات هي صوت دار وحدها — رأيها، موقّعاً ومؤرخاً. أما المواقف الصادرة باسم «دار تروي» فتُنشر في البيانات
كان يمكن أن تمر قصة أمنا مريومة كواحدة من قصص الحرب الكثيرة التي تصل إلى هواتفنا وتثير غضبنا لساعات ثم تختفي تحت ركام الأخبار.
لكنها لم تفعل.
ربما لأن مريومة لم تكن صورة عابرة من صور الحرب.
كانت امرأة سودانية (من كمبو نعيم الله في السودان — الجزيرة) حيث يسكن المزارعون البسطاء، ومن ذلك الجيل الذي عاش بما يكفي ليعرف معنى البيت والأرض والجيرة ثم وجد نفسه فجأة داخل حرب لا ترحم.

كان في قصتها شيء أكبر من تفاصيل الواقعة نفسها.
كان فيها سؤال عن البلد الذي وصلنا إليه.
كيف يمكن لحرب أن تجعل امرأة في عمر أمنا مريومة عرضة لكل هذا الخوف والانتهاك (اللفظي، الجسدي والجنسي)؟
كيف يصل السلاح إلى بيت امرأة مدنية ثم تصبح هي نفسها جزءاً من المعركة؟
وماذا يحدث بعد أن تنتهي الكاميرات من التصوير؟
هنا تبدأ القصة التي لا نعرف عنها ما يكفي.
لأن مريومة ليست وحدها.
هناك نساء أخريات لا نعرف أسماءهن وربما لن نعرفها أبداً إذا استمر الصمت.
نساء دخلن أماكن احتجاز ولم تعرف أسرهن أين هن.
نساء انقطع الاتصال بهن في لحظة.
نساء خرجن من بيوتهن لجلب الطعام ولم يعدن.
نساء يعرف أهلهن أنهن اعتقلن لكنهم لا يعرفون أين نقلن.
نساء ربما ما زلن خلف أبواب لا نعرفها وأسرهن تنتظر خبراً صغيراً يطمئنها.
وفي الحرب لا يكون الاختفاء مجرد غياب.
الاختفاء يضع الأسرة كلها في حالة انتظار لا تنتهي.
الأم تنتظر.
الأب ينتظر.
الأبناء ينتظرون.
الهاتف يبقى مفتوحاً وكل اتصال مجهول يمكن أن يحمل خبراً يغير الحياة.
وهكذا تصبح الحرب موجودة حتى داخل البيوت التي لم تعد تسمع أصوات الرصاص.
لماذا مريومة مهمة؟
لأن قصتها تذكرنا بأن الانتهاك لا يختار ضحيته دائماً على أساس العمر أو المكانة أو ما قدمه الإنسان طوال حياته.
حتى امرأة كبيرة في السن يمكن أن تجد نفسها في مواجهة القوة المسلحة.
حتى العمر الذي يفترض أن يمنح الإنسان شيئاً من الاحترام لم يكن كافياً ليحميها.
وهذا هو الجزء الأكثر قسوة في الحكاية.
أن تصل الحرب إلى امرأة كان يفترض أن تكون بعيدة عن كل ذلك.
أن يصبح جسد امرأة وكرامتها جزءاً من فوضى السلاح.
وأن يصبح اسمها بعد ذلك مادة للجدل بين الناس بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقاً:
ماذا حدث للإنسانة نفسها؟
لسنا بحاجة إلى رواية أخرى
ربما لا تحتاج مريومة إلى رواية جديدة تكتب عنها.
ولا تحتاج إلى أن نضيف إلى قصتها شائعة جديدة أو معلومة لا نملك عليها دليلاً.
ما تحتاجه قضيتها هو شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
الحقيقة.
الحقيقة التي لا تتغير بتغير الموقف السياسي.
والحقيقة التي لا تحتاج إلى أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك.
لأن حقوق الإنسان لا تقاس بالجهة التي ينسب إليها الضحية أو الجاني.
إذا كان هناك انتهاك فهناك مسؤولية.
وإذا كان هناك احتجاز فهناك قانون.
وإذا كانت هناك امرأة مفقودة فهناك أسرة لها حق في معرفة مصيرها.
هذه ليست مطالب سياسية يمكن التفاوض عليها بحسب موازين الحرب.
هذه حقوق أساسية.
ومن يحصي النساء؟
في السودان لدينا أرقام عن القتلى والنازحين واللاجئين.
نعرف حجم الدمار في المدن.
نعرف أسماء بعض المعارك.
لكن ماذا عن النساء اللواتي لا يظهرن في الإحصاءات؟
من يحصي المحتجزات؟
من يسجل أسماء المفقودات؟
من يتابع الأسر التي تقول: «آخر مرة تحدثنا معها كانت يوم كذا»؟
ومن يسأل بعد أشهر:
هل عادت؟
ربما تكون هذه واحدة من أكثر الفجوات إيلاماً في حربنا.
أننا نعرف الكثير عن الجبهات ولا نعرف ما يكفي عن الأشخاص الذين اختفوا خلفها.
الدولة التي تريد أن تتعافى يجب أن تعرف أين أبناؤها
لن تستطيع أي عملية سلام أن تكتمل بينما هناك أمهات ينتظرن أبناءهن وأبناء ينتظرون أمهاتهم وأسر لا تعرف إن كان أحباؤها أحياء أم أمواتاً.
ولا يمكن أن نتحدث بجدية عن العدالة بينما يظل مصير المحتجزين والمفقودين ملفاً مؤجلاً.
فالعدالة لا تبدأ يوم تقام المحاكم.
ولهذا فإن قضية النساء المحتجزات والمفقودات في السودان يجب أن تتحول من قصص متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى قضية وطنية موثقة.
أسماء.
تواريخ.
أماكن.
جهات احتجاز.
آخر اتصال.
شهادات الأسر.
وأي معلومة يمكن التحقق منها.
ليس بهدف التشهير.
وليس بهدف الانتقام.
بل حتى لا تختفي الحقيقة مع أصحابها.
أمنا مريومة ليست نهاية الحكاية
ربما لهذا السبب بقي اسم أمنا مريومة حاضراً.
ليس لأن قصتها هي القصة الوحيدة.
بل لأنها جعلتنا نرى شيئاً نحاول أحياناً ألا نراه:
أن الحرب لا تقتصر على المدن التي تتغير فيها خطوط السيطرة.
الحرب تدخل البيوت.
تأخذ النساء من أسرهن.
تقطع الأخبار.
وتترك خلفها أسئلة لا تجد من يجيب عنها.
ولذلك فإن السؤال عن مريومة يجب ألا يكون بحثاً عن خبر جديد يثير الناس ليوم أو يومين.
السؤال الحقيقي هو:
كم امرأة سودانية أصبحت قصتها معلقة مثل قصة مريومة؟
وكم أسرة تنتظر؟
وكم اسماً لم يصل إلينا بعد؟
وكم امرأة تحتاج فقط إلى أن يتذكر العالم أنها موجودة؟
ربما آن الأوان أن نبدأ من هنا.
أن نجمع أسماء النساء اللواتي فقدت أسرهن الاتصال بهن.
أن نوثق حالات الاحتجاز.
أن نسأل عن أماكن وجودهن.
أن نطالب الجهات المسيطرة على الأرض بالكشف عن المحتجزين لديها.
وأن نرفض أن يكون مصير امرأة سودانية سراً لا يحق لأحد أن يسأل عنه.
لأن الحرب ستنتهي عاجلاً أم آجلاً.
لكن السودان الذي نريده بعد الحرب لا يمكن أن يقوم فوق ذاكرة ناقصة ولا فوق قبور مجهولة ولا فوق نساء اختفين ثم اعتدنا غيابهن.
أمنا مريومة ليست مجرد قصة من قصص الحرب.
هي تذكيرنا بأن وراء كل اسم قد تكون أم تنتظر وابنة تبحث وأسرة كاملة لا تعرف كيف تنام.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً ليس:
ماذا حدث لمريومة فقط؟
بل:
أين نساؤنا؟
https://dar-talks.com/ar/journal/our-mother-maryuma/متاحة بـ:ENFRع